كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَفِي الْآيَةِ مِنَ الْفَوَائِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تَفْسُدُ أَخْلَاقُهَا وَتَضْعُفُ، قَدْ تُفَكِّرُ فِي الْمُدَافَعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَتَعْزِمُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا إِذَا تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُهَا الَّتِي يَتَخَيَّلُونَهَا عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِذَا مَا خَلَا الْجَبَانُ بِأَرْضٍ ** طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّزَّالَا

ثُمَّ إِذَا تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ يَضْعُفُونَ وَيَجْبُنُونَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ كَافِيَةٍ لِيَعْذُرُوا أَنْفُسَهُمْ وَمَا هُمْ بِمَعْذُورِينَ {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} الَّذِينَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأُمَّتَهُمْ بِتَرْكِ الْجِهَادِ دِفَاعًا عَنْهَا وَحِفْظًا لِحَقِّهَا، فَهُوَ يَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ فَيَكُونُونَ فِي الدُّنْيَا أَذِلَّاءَ مُسْتَضْعَفِينَ، وَفِي الْآخِرَةِ أَشْقِيَاءَ مُعَذَّبِينَ.
أَقُولُ: وَفِي تَارِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا يُفِيدُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا فِي الزَّمَنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ صَمْوَئِيل نَبِيًّا مُلْهَمًا قَدِ انْحَرَفُوا عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَنَسُوهَا، فَعَبَدُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَضَعُفَتْ رَابِطَتُهُمُ الْمِلِّيَّةُ، وَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْفِلَسْطِينِيِّينَ فَحَارَبُوهُمْ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ فَانْكَسَرُوا، وَسَقَطَ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَأَخَذُوا تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ مِنْهُمْ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْتَفْتِحُونَ- أَيْ: يَسْتَنْصِرُونَ وَيَطْلُبُونَ الْفَتْحَ- بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَلَمَّا أَخَذَهُ أَهْلُ فِلَسْطِينَ انْكَسَرَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَنْهَضْ هِمَّتُهُمْ لِاسْتِرْدَادِهِ، وَكَانُوا إِلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ لَا مُلُوكَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ رُؤَسَاؤُهُمُ الْقُضَاةَ بِالشَّرِيعَةِ، وَمِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَمِنْهُمْ صَمْوَئِيل كَانَ قَاضِيًا، فَلَمَّا شَاخَ جَعَلَ بَنِيهِ قُضَاةً وَكَانَ وَلَدُهُ الْبِكْرُ وَوَلَدُهُ الثَّانِي مِنْ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَأَكَلَةِ الرِّشْوَةِ، فَاجْتَمَعَ كُلُّ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ- وَهُمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَلَأِ- وَطَلَبُوا مِنْ صَمْوَئِيلَ أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ مَلِكًا يَحْكُمُ فِيهِمْ كَسَائِرِ الشُّعُوبِ، فَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ ظُلْمَ الْمُلُوكِ وَاسْتِعْبَادَهُمْ لِلْأُمَمِ، فَأَلَحُّوا فَأَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ شَاوِلُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}.
الظَّاهِرُ أَنَّ طَالُوتَ تَعْرِيبٌ لِشَاوِلَ- وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ فِي اللَّفْظِ- وَقِيلَ: إِنَّهُ لَقَبٌ لَهُ مِنَ الطُّولِ، كَمَلَكُوتٍ مِنَ الْمُلْكِ وَأَمْثَالِهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ طَوِيلًا مُشَذَّبًا، فَفِي سِفْرِ صَمْوَئِيلَ الْأَوَّلِ مِنَ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ وَفِيهِ فَوَقَفَ بَيْنَ الشَّعْبِ فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ- وَاعْتَرَضَ بِمَنْعِ صَرْفِهِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عِنْدَ ذِكْرِ طَالُوتَ: هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ شَاوِلَ وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ طَالُوتَ فَهُوَ طَالُوتُ، أَيْ أَنَّنَا لَا نَعْبَأُ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَا، وَإِذَا عَلِمَ الْقَارِئُ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يَعْرِفُونَ كَاتِبَ سِفْرَيْ صَمْوَئِيلَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَنْ هُوَ، وَلَا فِي أَيِّ زَمَنٍ كُتِبَا، فَإِنَّهُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَلَّا يُعْتَدَّ بِتَسْمِيَتِهِمْ، وَأَمَّا اسْتِنْكَارُهُمْ جَعْلَهُ مَلِكًا فَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَقَرَهُ، وَلَكِنَّ أَخْبَارَهُمْ لَا تَتَّصِلُ بِأَسْبَابِهَا، وَلَا تُقْرَنُ بِعِلَلِهَا. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي اسْتِنْكَارِهِمْ لِمُلْكِهِ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ بِنْيَامِينَ لَا مِنْ بَيْتِ يَهُوذَا، وَهُوَ بَيْتُ الْمُلْكِ، وَلَا مِنْ بَيْتِ لَاوِي، وَهُوَ بَيْتُ النُّبُوَّةِ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، وَقَالُوا: كَانَ رَاعِيًا أَوْ دَبَّاغًا أَوْ سَقَّاءً، وَلَا يَصِحُّ كَلَامُهُمْ فِي بَيْتِ الْمُلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُلُوكٌ قَبْلَهُ، وَنَفْيُهُمْ سَعَةَ الْمَالِ الَّتِي تُؤَهِّلُهُ لِلْمُلْكِ فِي رَأْيِ الْقَائِلِينَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنَّمَا الْعَبْرَةُ فِي الْعِبَارَةِ هِيَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ طِبَاعِ النَّاسِ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَلِكَ لابد أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْمُلْكِ، أَوْ ذَا نَسَبٍ عَظِيمٍ يَسْهُلُ عَلَى شُرَفَاءِ النَّاسِ وَعُظَمَائِهِمُ الْخُضُوعُ لَهُ، وَذَا مَالٍ عَظِيمٍ يُدَبِّرُ بِهِ الْمُلْكَ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ قَدِ اعْتَادُوا الْخُضُوعَ لِلشُّرَفَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَازُوا عَلَيْهِمْ بِمَعَارِفِهِمْ وَصِفَاتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُلْكِ يَكُونُ بِالنَّسَبِ وَسَعَةِ الْمَالِ بِقَوْلِهِ: {قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} فَسَّرُوا اصْطِفَاءَ اللهِ تَعَالَى هُنَا بِوَحْيهِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ يَجْعَلَ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَقَالَ: اصْطَفَاهُ لَكُمْ كَمَا قَالَ: {اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} [2: 132] وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ فَضَّلَهُ وَاخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ بِمَا أَوْدَعَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ الْفِطْرِيِّ لِلْمُلْكِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ اخْتِيَارِهِ كَانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ هِيَ بَيَانٌ لِأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
(1) الِاسْتِعْدَادُ الْفِطْرِيُّ.
(2) السَّعَةُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّدْبِيرُ.
(3) بَسْطَةُ الْجِسْمِ الْمُعَبَّرُ بِهَا عَنْ صِحَّتِهِ وَكَمَالِ قُوَاهُ الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْفِكْرِ عَلَى قَاعِدَةِ الْعَقْلُ السَّلِيمُ فِي الْجِسْمِ السَّلِيمِ وَلِلشَّجَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَلِلْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ.
(4) تَوْفِيقُ اللهِ تَعَالَى الْأَسْبَابَ لَهُ وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} وَالِاسْتِعْدَادُ هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْمَرْتَبَةِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ، وَالْعِلْمُ بِحَالِ الْأُمَّةِ وَمَوَاضِعِ قُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا وَجَوْدَةِ الْفِكْرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا، هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي فِي الْمَرْتَبَةِ، فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ بِحَالِ زَمَانِهِ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ لِلسُّلْطَةِ اتَّخَذَهُ مَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهَا سِرَاجًا يَسْتَضِيءُ بِرَأْيهِ فِي تَأْسِيسِ مَمْلَكَةٍ أَوْ سِيَاسَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَضْ بِهِ رَأْيُهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّيِّدُ الزَّعِيمُ فِيهَا، وَكَمَالُ الْجِسْمِ فِي قُوَاهُ وَرِوَائِهِ هُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَهُوَ فِي النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ سَابِقِيهِ.
وَأَمَّا الْمَالُ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ تَأْسِيسِ الْمُلْكِ؛ لِأَنَّ الْمَزَايَا الثَّلَاثَ إِذَا وُجِدَتْ سَهُلَ عَلَى صَاحِبِهَا الْإِتْيَانُ بِالْمَالِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ فِي النَّاسِ مَنْ أَسَّسَ دَوْلَةً وَهُوَ فَقِيرٌ أُمِّيٌّ، وَلَكِنَّ اسْتِعْدَادَهُ وَمَعْرِفَتَهُ بِحَالِ الْأُمَّةِ الَّتِي سَادَهَا، وَشَجَاعَتَهُ كَانَتْ كَافِيَةً لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالْإِدَارَةِ وَالشُّجْعَانِ عَلَى تَمْكِينِ سُلْطَتِهِ فِيهَا، وَقَدْ قَدَّمَ الْأَرْكَانَ الثَّلَاثَةَ عَلَى الرَّابِعِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمَوَاهِبِ الرَّجُلِ الَّذِي اخْتِيرَ مَلِكًا فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ اخْتِيَارَهُ فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْجَوَابِ، وَأَمَّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعَالَى بِتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهُ فِيهَا لِسَعْيهِ فَلَيْسَ مِنْ مَوَاهِبِهِ وَمَزَايَاهُ فَتَقَدَّمَ فِي أَسْبَابِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ تَتِمَّةً لِلْفَائِدَةِ وَبَيَانًا لِلْحَقِيقَةِ؛ وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ قَاعِدَةً عَامَّةً لَا وَصْفًا لَهُ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي صِفَاتِ الْجَدِيرِ بِالِاخْتِيَارِ لِزَعَامَةِ الْأُمَّةِ وَقِيَادَتِهَا:
فَقَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ دَرُّكُمُو رَحْبَ ** الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا

لَا مُتْرَفًا إِنْ رَخَاءُ الْعَيْشِ سَاعَدَهُ ** وَلَا إِذَا عُضَّ مَكْرُوهٌ بِهِ خَشَعَا

وَمِنْهَا:
وَلَيْسَ يَشْغَلُهُ مَالٌ يُثَمِّرُهُ ** عَنْكُمْ وَلَا وَلَدٌ يَبْغِي لَهُ الرَّفْعَا

وَأَقُولُ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى إِسْنَادِ الشَّيْءِ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَفْعَلُهُ بِلَا سَبَبٍ وَلَا جَرَيَانٍ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [13: 8] أَيْ: بِنِظَامٍ وَتَقْدِيرٍ مُوَافِقٍ لِلْحِكْمَةِ لَيْسَ فِيهِ جُزَافٌ وَلَا خَلَلٌ، فَإِيتَاؤُهُ الْمُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ بِمُقْتَضَى سُنَّتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِجَعْلِهِ مُسْتَعِدًّا لِلْمُلْكِ فِي نَفْسِهِ، وَبِتَوْفِيقِ الْأَسْبَابِ لِسَعْيهِ فِي ذَلِكَ؛ أَيْ: هُوَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي نَفْسِ الْمَلِكِ، وَالْآخَرُ فِي حَالِ الْأُمَّةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا، وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ «كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» قَالَ فِي الدُّرَرِ الْمُنْتَثِرَةِ رَوَاهُ ابْنُ جُمَيْعٍ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، والْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ. وَفِي كَنْزِ الْعُمَّالِ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ والْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ مُرْسَلًا.
نَعَمْ إِذَا أَرَادَ اللهُ إِسْعَادَ أُمَّةٍ جَعَلَ مَلِكَهَا مُقَوِّيًا لِمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْخَيْرِ، حَتَّى يَغْلِبَ خَيْرُهَا عَلَى شَرِّهَا، فَتَكُونُ سَعِيدَةً، وَإِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَ أُمَّةٍ جَعَلَ مَلِكَهَا مُقَوِّيًا لِدَوَاعِي الشَّرِّ فِيهَا حَتَّى يَتَغَلَّبَ شَرُّهًا عَلَى خَيْرِهَا، فَتَكُونُ شَقِيَّةً ذَلِيلَةً، فَتَعْدُوا عَلَيْهَا أُمَّةٌ قَوِيَّةٌ، فَلَا تَزَالُ تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، وَتَفْتَاتُ عَلَيْهَا فِي أُمُورِهَا، أَوْ تُنَاجِزُهَا الْحَرْبَ حَتَّى تُزِيلَ سُلْطَانَهَا مِنَ الْأَرْضِ، يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَيَكُونُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ، فَهُوَ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ. بِعَدْلٍ وَحِكْمَةٍ، لَا بِظُلْمٍ وَلَا عَبَثٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [21: 105] وَقَالَ: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [7: 128] فَالْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ- مَقَامِ اسْتِعْمَارِ الْأَرْضِ وَالسِّيَادَةِ فِي الْمَمَالِكِ- هُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أَسْبَابَ خَرَابِ الْبِلَادِ وَضَعْفِ الْأُمَمِ، وَهِيَ الظُّلْمُ فِي الْحُكَّامِ، وَالْجَهْلُ وَفَسَادُ الْأَخْلَاقِ فِي الدَّوْلَةِ وَالْأُمَّةِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّخَاذُلِ، وَالصَّالِحُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِاسْتِعْمَارِ الْأَرْضِ وَسِيَاسَةِ الْأُمَمِ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا الِاجْتِمَاعِيِّ.
أَطَلْتُ فِي بَيَانِ مَعْنَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى فِي إِتْيَانِ الْمُلْكِ؛ لِأَنَّنِي أَرَى عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ يَفْهَمُونَ مِنْ مِثْلِ عِبَارَةِ الْآيَةِ فِي إِيجَازِهَا أَنَّ الْمُلْكَ يَكُونُ لِلْمُلُوكِ بِقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ هِيَ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا الْبَشَرُ فِي أَعْمَالِهِمُ الْكَسْبِيَّةِ، وَهَذَا الِاعْتِقَادُ قَدِيمٌ فِي الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، وَفِي مَعْنَاهُ عِبَارَةٌ فِي كُتُبِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَبِهِ اسْتَعْبَدَ الْمُلُوكُ النَّاسَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ سُلْطَتَهُمْ شُعْبَةٌ مِنَ السُّلْطَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ مُحَاوَلَةَ مُقَاوَمَتِهِمْ هِيَ كَمُحَاوَلَةِ مُقَاوَمَةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْخُرُوجِ عَنْ مَشِيئَتِهِ.
وَكَانَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَوْجَزَ فِي الدَّرْسِ بِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} إِذْ جَاءَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ كَتَبْتُ فِي مُذَكِّرَتِي عَنْهُ أَيْ: أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي تَهْيِئَةِ مَنْ يَشَاءُ لِلْمُلْكِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِجْمَالِ لَا يَعْقِلُهُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي إِرْثِ الْأَرْضِ وَفِي هَلَاكِ الْأُمَمِ وَتَكَوُّنِهَا، وَالْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي أَنَّ لَهُ تَعَالى فِي الْبَشَرِ سُنَنًا لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [13: 11] فَحَالَةُ الْأُمَمِ فِي صِفَاتِ أَنْفُسِهَا- وَهِيَ عَقَائِدُهَا وَمَعَارِفُهَا وَأَخْلَاقُهَا وَعَادَاتُهَا- هِيَ الْأَصْلُ فِي تَغَيُّرِ مَا بِهَا مِنْ سِيَادَةٍ أَوْ عُبُودِيَّةٍ وَثَرْوَةٍ أَوْ فَقْرٍ، وَقُوَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ، وَهِيَ هِيَ الَّتِي تُمَكِّنُ الظَّالِمَ مِنْ إِهْلَاكِهَا. وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَنَا الِاعْتِذَارُ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِي إِصْلَاحِ شُئُونِنَا اتِّكَالًا عَلَى مُلُوكِنَا؛ فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ تَعَالَى لَا تَتَعَلَّقُ بِإِبْطَالِ سُنَّتِهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الْوُجُودِ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلُوكِ فِي الْأُمَمِ هُوَ بِقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ، بَلْ شَرِيعَةُ اللهِ تَعَالَى وَخَلِيقَتُهُ شَاهِدَتَانِ بِضِدِّ ذَلِكَ {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [59: 2].
ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَالتَّذْكِيرِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَآثَارِهَا؛ أَيْ: وَاسْعُ التَّصَرُّفِ وَالْقُدْرَةِ، إِذَا شَاءَ أَمْرًا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ فِي نِظَامِ الْخَلِيقَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ لَا مَحَالَةَ، عَلِيمٌ بِوُجُوهِ الْحِكْمَةِ فَلَا يَضَعُ سُنَنَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُلْكِ عَبَثًا، وَلَا يَتْرُكُ أَمْرَ الْعِبَادِ فِي اجْتِمَاعِهِمْ سُدًى، بَلْ وَضَعَ لَهُمْ مِنَ السُّنَنِ الْحَكِيمَةِ مَا هُوَ مُنْتَهَى الْإِبْدَاعِ وَالْإِتْقَانِ، وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ.
هَذَا وَقَدْ جَرَى الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ وُجُوهَ الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي جَعْلِ طَالُوتَ مَلِكًا أَرْبَعَةٌ، وَأَحْسَنُ عِبَارَةٍ لَهُمْ عَلَى اخْتِصَارِهَا عِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ قَالَ: لَمَّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ لِفَقْرِهِ وَسُقُوطِ نَسَبِهِ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ:
أَوَّلًا بِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ اصْطِفَاءُ اللهِ تَعَالَى، وَقَدِ اخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمَصَالِحِ مِنْكُمْ.
ثَانِيًا بِأَنَّ الشُّرُوطَ فِيهِ؛ وُفُورُ الْعِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ، وَجَسَامَةِ الْبَدَنِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ خَطَرًا فِي الْقُلُوبِ، وَأَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ وَمُكَابَدَةِ الْحُرُوبِ لَا مَا ذَكَرْتُمْ، وَقَدْ زَادَهُ اللهُ فِيهَا، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ الْقَائِمُ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنَالُ رَأْسَهُ.
ثَالِثًا بِأَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْمُلْكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَنْ يَشَاءُ.
رَابِعًا بِأَنَّهُ {وَاسِعٌ} الْفَضْلَ يُوَسِّعُ الْفَضْلَ عَلَى الْفَقِيرِ وَيُغْنِيهِ {عَلِيمٌ} بِمَنْ يَلِيقُ بِالْمُلْكِ وَغَيْرِهِ اهـ. فَجَعَلُوا الْأَوَّلَ بِمَعْنَى الثَّالِثِ.
وَجَعَلُوا مَزِيَّةَ الْعَقْلِ وَمَزِيَّةَ الْبَدَنِ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُمَا شَيْئَانِ، وَأَجْمَلُوا الْقَوْلَ فِي الْمَشِيئَةِ حَتَّى إِنَّ الْمُتَوَهِّمَ لَيَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِعِنَايَةٍ غَيْبِيَّةٍ لَا بِسُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ، وَجَعَلُوا كَوْنَهُ تَعَالَى وَاسِعًا عَلِيمًا وَجْهًا خَاصًّا. وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي الْأَوَّلِ شَيْئًا، وَرَأْيُهُ فِي مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى هُنَا مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَقَدْ فَسَّرَ الْوَاسِعَ بِوَاسِعِ التَّصَرُّفِ وَالْقُدْرَةِ، وَهُوَ يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِمْ وَاسْعُ الْفَضْلِ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ {عَلِيمٌ} عَلِيمٌ بِوُجُوهِ الِاخْتِيَارِ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ مِنِ اسْتِحْقَاقِ طَالُوتَ الْمُلْكَ بِمَا اخْتَارَهُ اللهُ وَأَعَدَّهُ لَهُ بِاصْطِفَائِهِ، وَإِيتَائِهِ مِنْ سَعَةِ الْعِلْمِ وَبَسْطَةِ الْجِسْمِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَعْبَائِهِ، حَتَّى جَعَلَ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّهُمْ عَلَى الْعِنَايَةِ بِهِ، وَهِيَ عَوْدُ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا التَّابُوتُ الْمُعَرَّفُ: صُنْدُوقٌ لَهُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ، فَفِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ مَا نَصُّهُ:
وَكَلَّمَّ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةً مِنْ كُلِّ مَنْ بَحَثَهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِي، وَهَذِهِ هِيَ التَّقْدِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَنُحَاسٌ وَأَسْمَانْجُونِي وَأُرْجُونَ وَقِرْمِزٌ وَبُوصٍ وَشَعْرِ مِعْزَى وَجُلُودِ كِبَاشٍ مُحَمَّرَةٍ وَجُلُودِ تَخْسٍ وَخَشَبِ سَنْطٍ وَزَيْتٍ لِلْمَنَارَةِ وَأَطْيَابٍ لِدَهْنِ الْمَسْحَةِ، وَلِلْبَخُورِ الْعِطْرُ، وَحِجَارَةِ جِزْعٍ وَحِجَارَةِ تَرْصِيعٍ لِلرِّدَاءِ وَالصُّدْرَةِ، فَيَصْنَعُونَ لِي مُقَدَّسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ بِحَسَبِ جَمِيعِ مَا أَنَا أُرِيكَ مِنْ مِثَالِ الْمَسْكَنِ وَمِثَالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ، هَكَذَا تَصْنَعُونَ فَيَصْنَعُونَ تَابُوتًا مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ، وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَارْتِفَاعُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ. وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ، مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ تُغَشِّيهِ، وَتَصْنَعُ عَلَيْهِ إِكْلِيلًا مِنْ ذَهَبٍ حَوَالَيْهِ، وَتَسْبِكُ لَهُ أَرْبَعَ حَلَقَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَتَجْعَلُهَا عَلَى قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ، عَلَى جَانِبِهِ الْوَاحِدِ حَلْقَتَانِ وَعَلَى جَانِبِهِ الثَّانِي حَلْقَتَانِ، وَتَصْنَعُ عَصَوَيْنِ مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ وَتُغَشِّيهِمَا بِذَهَبٍ، وَتُدْخِلُ الْعَصَوَيْنِ فِي الْحَلَقَاتِ عَلَى جَانِبَيِ التَّابُوتِ لِيُحْمَلَ التَّابُوتُ بِهِمَا، تَبْقَى الْعَصَوَانِ فِي حَلْقَةِ التَّابُوتِ لَا تُنْزَعَانِ مِنْهَا، وَتَضَعُ فِي التَّابُوتِ وَالشَّهَادَةِ الَّتِي أُعْطِيكَ، وَتَصْنَعُ غِطَاءً مَنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى طَرَفَيِ الْغِطَاءِ، فَاصْنَعْ كَرُوبًا وَاحِدًا عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَا، وَكَرُوبًا آخَرَ عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الْغِطَاءِ تَصْنَعُونَ الْكَرُوبَيْنِ عَلَى طَرَفَيْهِ، وَيَكُونُ الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ، مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى الْغِطَاءِ وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الْآخَرِ نَحْوَ الْغِطَاءِ يَكُونُ وَجْهَا الْكَرُوبَيْنِ، وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى التَّابُوتِ مِنْ فَوْقُ، وَفِي التَّابُوتِ تَضَعُ الشَّهَادَةَ الَّتِي أَنَا أُعْطِيكَ اهـ.
هَذَا مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ الْأَمْرِ بِصُنْعِ ذَلِكَ التَّابُوتِ الدِّينِيِّ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الْمَائِدَةِ الدِّينِيَّةِ وَآنِيَتَهَا وَالْمَسْكَنَ وَالْمَذْبَحَ وَخَيْمَةَ الْعَهْدِ وَمَنَارَةِ السِّرَاجِ وَالثِّيَابِ الْمُقَدَّسَةِ، ثُمَّ فَصَّلَ فِي الْفَصْلِ 27 مِنْهُ كَيْفَ كَانَ صُنْعُ هَذَا التَّابُوتِ وَالْمَائِدَةِ وَالْمَنَارِ وَمَذْبَحِ الْبَخُورِ، وَهِيَ غَرَائِبُ يَعُدُّهَا عُقَلَاءُ هَذِهِ الْعُصُورِ أَلَاعِيبَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهَا- وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا- وَقَدِ اسْتَعْبَدَهُمْ وَثَنِيُّو الْمِصْرِيِّينَ أَحْقَابًا- قَدْ مَلَكَتْ قُلُوبُهُمْ عَظَمَةُ تِلْكَ الْهَيَاكِلِ الْوَثَنِيَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الزِّينَةِ وَالصَّنْعَةِ الَّتِي تُدْهِشُ النَّاظِرَ، وَتَشْغَلُ الْخَاطِرَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَشْغَلَ قُلُوبَهُمْ عَنْهَا بِمَحْسُوسَاتٍ مِنْ جِنْسِهَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتُذْكَرُ بِهِ، فَالتَّابُوتُ سُمِّيَ أَوَّلًا تَابُوتَ الشَّهَادَةِ؛ أَيْ: شَهَادَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ تَابُوتَ الرَّبِّ وَتَابُوتَ اللهِ، كَذَلِكَ أُضِيفَ إِلَى اللهِ تَعَالَى كُلُّ شَيْءٍ صُنِعَ لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الدِّيَانَةَ لَيْسَتْ دَائِمَةً، فَلَا غَرْوَ إِذَا نَسَخَ الْإِسْلَامُ كُلَّ هَذَا الزُّخْرُفِ وَالصَّنْعَةِ مِنَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا اللهُ تَعَالَى حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ الْمُصَلِّي عَنْ مُنَاجَاةِ اللهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَمَا كَلَّفَهُ ذَلِكَ الشَّعْبُ الَّذِي وَصَفَتْهُ كُتُبُهُ الْمُقَدَّسَةُ بِأَنَّهُ صُلْبُ الرَّقَبَةِ أَوْ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ عَرِيضُ الْقَفَا عَلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوَثَنِيَّةِ وَإِحَاطَةِ الشُّعُوبِ الْوَثَنِيَّةِ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْبَشَرِ فِي طَوْرِ ارْتِقَائِهِمْ؛ إِذْ لَا يُرَبَّى الرَّجُلُ الْعَاقِلُ بِمِثْلِ مَا يُرَبَّى بِهِ الطِّفْلُ أَوِ الْيَافِعُ، وَفِي سَائِرِ فَصُولِ سِفْرِ الْخُرُوجِ الثَّلَاثَةِ تَفْصِيلٌ لِمَا قَدَّمَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِصُنْعِ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي يُقَدَّسُ فِيهَا اللهُ، وَلِصُنْعِ الْخَيْمَةِ وَالتَّابُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَغَرَضُنَا مِنْهَا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّابُوتِ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّكَ لَتَجِدُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ الْقَصَصِ عِنْدَنَا أَقْوَالًا غَرِيبَةً عَنْهُ، مِنْهَا أَنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْشَأُ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مَا كَانَ يَنْبِذُ بِهِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ مِنَ الْقِصَصِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُخَادَعَةً لَهُمْ، لِيَكْثُرَ الْكَذِبُ فِي تَفْسِيرِهِمْ لِلْقُرْآنِ فَيَضِلُّوا بِهِ، وَيَجِدُ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ مَجَالًا وَاسِعًا لِلطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ يَصُدُّونَ بِهِ قَوْمَهُمْ عَنْهُ.
وَفِي آخِرِ فَصُولِ سِفْرِ الْخُرُوجِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَضَعَ اللَّوْحَيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا شَهَادَةُ اللهِ- أَيْ: وَصَايَاهُ- لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّابُوتِ، وَفِي كُتُبِهِمُ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ عِنْدَ فَتَاهُ يَشُوعَ- أَيْ: يُوشَعَ- وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِهَذَا التَّابُوتِ، فَإِذَا ضَعُفُوا فِي الْقِتَالِ وَجِيءَ بِهِ وَقَدَّمُوهُ تَثُوبُ إِلَيْهِمْ شَجَاعَتُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ يَنْصُرُهُمْ بِتِلْكَ الشَّجَاعَةِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ لَهُمْ بِإِحْضَارِ التَّابُوتِ لَا بِالتَّابُوتِ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ غُلِبُوا عَلَى التَّابُوتِ فَأُخِذَ مِنْهُمْ عِنْدَمَا ضَعُفَ يَقِينُهُمْ وَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمُ التَّابُوتُ شَيْئًا كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
أَقُولُ: وَفِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ (31: 24- 30) «أَنَّ مُوسَى لَمَّا كَمَّلَ كِتَابَةَ هَذِهِ التَّوْرَاةِ أَمَرَ اللَّاوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ قَائِلًا: خُذُوا كِتَابَ التَّوْرَاةِ هَذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَهِكُمْ لِيَكُونَ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ».
ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ عَالِيَا أَوْ عَالِيَ الْكَاهِنِ، فَانْتَصَرَ الْفِلَسْطِينِيُّونَ وَأَخَذُوا التَّابُوتَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ نَكَّلُوا بِهِمْ تَنْكِيلًا فَمَاتَ عَالِي قَهْرًا، وَكَانَ صَمْوَئِيل- الَّذِي يُدْعَى فِي الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ شمويلَ- قَاضِيًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ نَبِيُّهُمُ الَّذِي طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا فَفَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعَلَ رُجُوعَ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ آيَةً لِمُلْكِ طَالُوتَ الَّذِي أَقَامَهُ لَهُمْ، وَقَالُوا فِي سَبَبِ إِتْيَانِ التَّابُوتِ: إِنَّ أَهْلَ فِلَسْطِينَ ابْتُلُوا بَعْدَ أَخْذِ التَّابُوتِ بِالْفِيرَانِ فِي زَرْعِهِمْ وَالْبَوَاسِيرِ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَتَشَاءَمُوا مِنْهُ، وَظَنُّوا أَنَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ انْتَقَمَ مِنْهُمْ فَأَعَادُوهُ عَلَى عَجَلَةٍ تَجُرُّهَا بَقَرَتَانِ، وَوَضَعُوا فِيهِ صُوَرَ فِيرَانٍ وَصُوَرَ بَوَاسِيرَ مِنَ الذَّهَبِ جَعَلُوا كَفَّارَةً لِذَنْبِهِمْ.
وَمِنَ الْمُدَوَّنِ فِي التَّارِيخِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَمَّا أَحْرَقَ الْبَابِلِيُّونَ هَيْكَلَ سُلَيْمَانَ فُقِدَتِ التَّوْرَاةُ وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مَعًا لِأَنَّهُمَا قَدْ أُحْرِقَا فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّابُوتِ: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} فَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ وَلَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ، عَلَى أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَمَا تَرَى فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ أُمُّ التَّفَاسِيرِ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا مَا أَوْرَدْنَا مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ لِيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ عَنِ التَّابُوتِ وَعَمَّا فِيهِ مِنَ الْغَرَائِبِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا وَحْيُ اللهِ تَعَالَى نَاطِقٌ بِأَنَّ فِيهِ سَكِينَةٌ، وَالسَّكِينَةُ فِي اللُّغَةِ مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَفِي إِتْيَانِ الصُّنْدُوقِ سَكِينَةٌ لَا تَخْفَى لِمَا كَانَ لَهُ مِنَ الشَّأْنِ الدِّينِيِّ عِنْدَ الْقَوْمِ، أَوْ فِيهِ مَا يُحْدِثُ لَهُمْ سَكِينَةً وَهِيَ الْفِيرَانُ وَالْبَوَاسِيرُ الذَّهَبُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خَوْفِ الْعَدُوِّ، أَوِ الْأَلْوَاحُ أَوْ رَضَاضَتُهَا، وَهِيَ هِيَ الْبَقِيَّةُ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ نَحْوُ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ أَنَّهَا الشَّيْءُ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَوْلُهُ: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ صُوَرُ الْكَرُوبَيْنِ وَقَدْ حَمَلَ التَّابُوتَ؛ أَيْ: وُضِعَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقُولُ فِي وَصْفِ الْقُصُورِ وَالتَّمَاثِيلِ الْمَصْنُوعَةِ: فِيهَا فُلَانٌ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُحَاسٍ، تُرِيدُ تِمْثَالَ الْمَلِكِ وَتِمْثَالَ الْفَرَسِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا التَّابُوتَ مِنْ بَعْضِ بِلَادِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتَا تَسِيرَانِ مُسَخَّرَتَيْنِ بِإِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَفِي كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ الْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَرَّتَا عَجَلَةَ التَّابُوتِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ، وَمَا يَجْرِي بِإِلْهَامٍ لَا كَسْبَ فِيهِ لِلْبَشَرِ وَهُوَ مِنَ الْخَيْرِ يُسْنَدُ إِلَى إِلْهَامِ الْمَلَائِكَةِ. رَوَى نَحْوَ هَذَا ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: وَكَلَ بِالْبَقَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَارَتَا بِالتَّابُوتِ أَرْبَعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا إِلَخْ، وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قَالُوا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَتِمَّةَ كَلَامِ نَبِيِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُمْ، أَيْ إِنَّ فِي مَجِيءِ التَّابُوتِ عَلَامَةٌ أَوْ حُجَّةٌ لَكُمْ تَدُلُّ عَلَى عِنَايَةِ اللهِ بِكُمْ، وَاصْطِفَائِهِ لَكُمْ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بشُئُونِكِمْ وَيُنَكِّلُ بِأَعْدَائِكُمْ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَرْضَوْا بِمُلْكِهِ وَلَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ مِنْهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مَعْنَاهُ أَنَّ فِيمَا أَوْحَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى ثُبُوتِهِ؛ إِذْ لَوْلَا الْوَحْيُ لَمَا كَانَ يَعْرِفُهَا وَهُوَ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا، وَلَا كَانَ يَعْرِفُ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْفَائِدَةِ، وَلاسيما مَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُلُوكِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُؤَهِّلُهُمْ لِلْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ السِّيَاسَةِ وَأَعْمَالِ الرِّيَاسَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً وَعِبْرَةً نَافِعَةً لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَآيَاتِهِ الَّتِي تُؤَيِّدُ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؛ لِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوَابُهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
عُلِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْغَرَضَ الْأَوَّلَ مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ نَصْبَ الْمَلِكِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَلَّى قِيَادَتَهُمْ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَثْأَرَ مِنْ أُولَئِكَ الْوَثَنِيِّينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَكَانَ الْمُتَوَقَّعُ بَعْدَ بَيَانِ نَصْبِ الْمَلِكِ أَنْ يَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ فِي الْقِتَالِ وَذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى، ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}. اهـ.